
القرية كانت نايمة ع الضلمة، مافيش غير صوت البحر البعيد، وباب حديد بيخبط كل شوية من الهوا. “زينات” كانت قاعدة على عتبة البيت، حطّة طرحتها ع كتفها، وبصّة ف السما كأنها بتدوّر على حاجة تايهة فوق. كل يوم بعد المغرب، بتعمل كده. تقول للناس إنها بتحب الهوا، بس الحقيقة إنها مستنّية خبر. أي خبر.
-
رساله قبل الفرح ب20 دقيقهنوفمبر 14, 2025
-
مفتاح الظلال – قصة أسطورية عن نذر قديم وولدنوفمبر 13, 2025
-
الطرْقة اللي ماكنتش للبشرنوفمبر 13, 2025
-
البيرنوفمبر 12, 2025
جوزها، “فارس”، سافر من سنتين ع الخليج، وقال لها “شهرين وارجع”.
الشهرين بقوا سنة… والسنة بقت اتنين.
وهي لسه قاعدة، بنفس الطرحة، بنفس الشباك اللي بيطل ع الطريق اللي مارجعش منه فارس.
الناس في القرية خلاص بطّلوا يسألوا.
“أكيد نِسيها”، “أكيد اتجوّز هناك”، “يمكن مىات”، الكلام بقى زي الميّه في المواعين — ييجي وييخرج من غير طعم.
بس زينات ما بطّلتش تصلي له.
كل ليلة، بعد ما تحط أمها العجوز في السىرير، تقف قدّام السجادة وتقول:
“يا رب، رجّعهلي، حتى لو يوم واحد… عايزة أعرف بس هو عاش ولا مىات.”
—
في يوم، جالها جواب.
مكتوب عليه:
> “من فارس عبد العليم — الإمارات.”
اتخضّت، قلبها وقىع من الفرحة.
بس وهي بتفتح الظرف، إيدها كانت بتترعىش.
جوه الجواب ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط فارس:
> “سامحيني يا زينات… مارجعتش عشان ماكىسّركيش. بس الحق عليّا.”
بس كده.
من غير شرح، من غير سبب، من غير حتى سلام.
—
الليلة دي ما حدش شاف زينات تتكلم.
قعدت عتبتها، الجواب في حجرها، والبحر بيغلي في آخر الدنيا.
الصبح، راحت السوق كأن مافيش حاجة حصلت. اشترت خضار، رجعت البيت، غسلت هىدوم، طبخت لأمها.
لكن في عنيها، كان في حاجتين: غياب وعتاب.
—
عدّى شهر.
وفي يوم مطر غريب، نزل على القرية مطر كأنه غضبان.
باب البيت اتخبط جامد.
لما فتحت، شافت راجل غريب واقف، لابس جلابية سودة ومبلولة، وشايل شنطة صغيرة.
“بيت زينات فارس عبد العليم؟”
قالها بصوت واطي.
هزّت راسها.
فتح الشنطة وطلع منها ظرف، جواه صورة قديمة لفارس معاها، ورسالة بخطّ تاني.
الرسالة كانت من واحد اسمه “حمدي” — صاحبه في السفر.
> “فارس مات يا مدام زينات. من سنة ونص.
كان تعبان بس كان بيخبي عليك.
سابلي جواب أدهولهولِك لو جراله حاجة.
قال لي: قول لها ما تزعلش، أنا رجعتلها في الهوا، وش الضيّ هي يعرفني فيه.”
—
زينات ما قرتش الباقي.
خدّت الصورة، بصّت فيها، دموعها نزلت على وشّ فارس اللي ف الصورة.
طلعت ع السطح في عزّ المطر، ورفعت الصورة للسماء، وقالت:
“رجعت يا فارس… بس الهوا وجعني.”
—
الناس شافوها فوق البيت، والمطر مغىرقها، بس وشّها كان منوّر كأنه فيه ضيّ.
من يومها، محدش شافها قاعدة على العتبة تاني.
ولا حتى في السوق.
قالوا إنها راحت لأختها في البلد التانية.
وقالوا غير كده.
بس في كل مطر ينزل، الناس في القرية يقولوا إنهم بيشمّوا ريحة بخور طالعة من بيت فارس.
وفي الهوا، ساعات، تسمع صوت خفيف بيقول:
“وشّ الضيّ… ماينطفيش.”








